أصبح الذكاء الاصطناعيّ بنية تحتيّة استراتيجيّة للنظام الماليّ العالميّ، يمكن مقارنته بأنظمة الدفع أو أسواق رأس المال أو الأطر التنظيميّة، فلم يعد أداة تجريبيّة، بل أصبح مكوّنًا أساسيًّا في البنية الماليّة الحديثة. قابلت البيان البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ لتحدّثنا عن أثره في مجال التمويل، ودوره في إدارة المخاطر، وكشف الاحتيال، وتقييم الجدارة الائتمانيّة، واكتتاب التأمين، وغيرها من مجالات، وذلك ضمن سلسلة من المقابلات عن موضوع الذكاء الاصطناعيّ.
- بداية، ما التأثير الحقيقيّ للذكاء الاصطناعيّ على التمويل العالميّ اليوم؟
ما يميّز الذكاء الاصطناعيّ بشكل أساسيّ عن الموجات السابقة من التكنولوجيا الماليّة قدرته على معالجة كمّيّات هائلة من البيانات غير المتجانسة في وقت واحد. كانت النماذج الماليّة التقليديّة تعتمد على افتراضات خطّيّة ومجموعات بيانات تاريخيّة محدودة نسبيًّا. على النقيض من ذلك، يقدّم الذكاء الاصطناعيّ عمليّة صنع قرار غير خطيّة واحتماليّة وقابلة للتكيّف، مما يمكّن المؤسسات الماليّة من الانتقال من التنبؤات الثابتة إلى التحليل الديناميكيّ في الوقت الفعلّي.
- كيف يغيّر الذكاء الاصطناعيّ طبيعة صنع القرار الماليّ نفسه؟
لا يلغي الذكاء الاصطناعي الحكم البشريّ، بل يعيد تعريف دوره. إذ يتحوّل صنع القرار المالّي من عمليّات تعتمد على الحدس والخبرة إلى الذكاء المعزّز، حيث يتمّ دعم الخبرة البشريّة من خلال المحاكاة على نطاق واسع، والتعّرف على الأنماط، والتحليلات التنبؤيّة.
فأصبح بإمكان المديرين التنفيذيّين والمنظّمين الوصول إلى أنظمة قادرة على تشغيل آلاف السيناريوهات البديلة واختبارات الضغط في الوقت الفعليّ. وهذا مهمّ بشكل خاصّ في عالم يتّسم بدرجة عالية من عدم اليقين، حيث تتفاعل التوتّرات الجيوسياسيّة والأوبئة والصدمات المناخيّة والاضطرابات التكنولوجيّة بطرق معقّدة.
- ما المزايا الرئيسيّة التي يجلبها الذكاء الاصطناعيّ للخدمات المصرفيّة والماليّة؟
تشمل فوائد الذكاء الاصطناعيّ في مجال التمويل الكفاءة والأمن والشمول والمرونة الاستراتيجيّة.
فقد تحسّنت عمليّات الكشف عن الاحتيال والأمن الماليّ بشكل كبير. إذ تحلّل أنظمة الذكاء الاصطناعيّ أنماط المعاملات في الوقت الفعليّ، وتقارنها بملايين الملفات التاريخيّة لتحديد الحالات الشاذّة. وقد أدى ذلك إلى تقليل حالات الإيجابيّات الخاطئة مع تمكين الكشف المبكّر عن مخططات الاحتيال المعقّدة عبر الحدود.
كذلك، يعيد الذكاء الاصطناعيّ تشكيل الوصول إلى الائتمان والشمول الماليّ. ففي العديد من أنحاء العالم، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة، يستبعد نظام تقييم الائتمان التقليديّ الأفراد والشركات الصغيرة بسبب عدم وجود سجلّ ماليّ رسميّ. كما يتيح الذكاء الاصطناعيّ تقييم الائتمان البديل باستخدام بيانات غير تقليديّة، ممّا يوّسع نطاق الوصول إلى التمويل.
بالإضافة إلى ما ذُكِر، تقلّل الأتمتة الذكيّة من التكاليف التشغيليّة. إذ يتمّ أتمتة وظائف الامتثال، التي كانت تتطلّب عمالة كثيفة في الماضي، بشكل متزايد من خلال معالجة اللغة الطبيعيّة والتحليلات التنبؤيّة. وهذا يسمح للمؤسّسات الماليّة بإعادة توجيه الموارد البشريّة نحو أدوار استراتيجيّة واستشاريّة ذات قيمة أعلى.
- كيف تتجلّى هذه التغييرات في المنطقة العربية؟
تبرز المنطقة العربية كواحدة من أكثر البيئات ديناميكيّة للتمويل المدعوم بالذكاء الاصطناعيّ، على الرغم من اختلاف مستويات اعتماده بشكل كبير بين البلدان.
ففي دول مجلس التعاون الخليجيّ، يتمّ دمج الذكاء الاصطناعيّ بشكل عميق في استراتيجّيات التحوّل الرقميّ الوطنيّة. على سبيل المثال، قامت الإمارات العربية المتّحدة بدمجه في نظامها الماليّ بالخدمات المصرفيّة الرقميّة المتقدّمة، ومراكز التكنولوجيا الماليّة والبيئات التنظيميّة التجريبيّة. كما تستخدم البنوك الذكاء الاصطناعيّ لتقديم خدمات ماليّة مخصّصة، وكشف الاحتيال، وتقييم الجدارة الائتمانيّة التنبؤيّة، بينما تركّز الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الماليّة على حلول إدارة الثروات والتمويل.
كذلك، أدّى برنامج ”رؤية ٢٠٣٠“ في المملكة العربيّة السعوديّة إلى تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعيّ في المؤسّسات الماليّة، ولا سيما لدعم التنويع الاقتصاديّ. إذ يستخدم لتحسين إقراض الشركات الصغيرة والمتوسّطة، وتعزيز الأمن السيبرانيّ، وزيادة كفاءة أسواق رأس المال. فتعتمد الهيئات التنظيميّة بشكل متزايد على الإشراف القائم على البيانات للحفاظ على الاستقرار الماليّ مع تشجيع الابتكار.
في دول مثل مصر والمغرب والأردنّ، يؤدّي دورًا متزايدًا في الشمول الماليّ الرقميّ. كما تساعد منصات الخدمات المصرفيّة عبر الهاتف المحمول المدعومة بالذكاء الاصطناعيّ في الوصول إلى السكّان الذين لا يحصلون على خدمات مصرفيّة كافيّة، على الرغم من قيود البنية التحتيّة وتوافر البيانات.
- ما المخاطر والعيوب الرئيسيّة للذكاء الاصطناعيّ في مجال التمويل؟
إنّ أهم المخاطر هي الصندوق الأسود الخوارزميّ. فمع ازدياد تعقيد النماذج، يصبح من الصعب تفسير منطقها الداخليّ. في حالة حدوث أزمة ماليّة أو نزاعات قانونيّة، قد تجد المؤسّسات صعوبة في تفسير أسباب اتّخاذ قرارات معيّنة، ممّا يثير مخاوف جدّية بشأن المساءلة والرقابة.
هناك خطر كبير آخر يتعلق بالتحيّز الخوارزميّ. فتتعلّم أنظمة الذكاء الاصطناعيّ من البيانات التاريخيّة، التي قد تتضمّن تمييزًا أو تفاوتات هيكليّة في الماضي. فبدون تصميم ومراقبة دقيقين، يمكن أن يؤدّي الذكاء الاصطناعيّ إلى استمرار، أو حتّى تضخيم التحيّز في قرارات الإقراض أو تسعير التأمين أو الاستثمار، ممّا يؤثّر بشكل خاصّ على الفئات الضعيفة من السكّان.
- ختامًا، كيف سيبدو مستقبل القطاع الماليّ العالميّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
أصبح القطاع الماليّ هجينًا، حيث يجمع بين الذكاء الخوارزميّ والحكم البشريّ، والتكامل العالميّ والسياق المحلّيّ. سيمكّن الذكاء الاصطناعيّ من تخصيص رأس المال بشكل أكثر كفاءة، وتحسين إدارة المخاطر، وربّما إنشاء أنظمة ماليّة أكثر استدامة من خلال دمج المعايير البيئيّة والاجتماعيّة.
ومع ذلك، فإنّ هذا المستقبل ليس مضمونًا. فالذكاء الاصطناعيّ يضخّم القيم، والافتراضات وهياكل الحوكمة. ولذلك، فإنّ التحدّي الحقيقيّ ليس تقنيًّا بل أخلاقيًّا ومؤسّسيًّا واستراتيجيًّا، في ضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعيّ الاستقرار الماليّ، والشموليّة، والصالح العامّ.