في خضمّ التصعيد المتسارع في الخليج خلال الأيّام الأخيرة، عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الجيوسياسيّ العالميّ، ليس فقط بوصفه ممرًّا بحريًّا استراتيجيًّا، بل كأحد أهمّ أدوات الضغط في لعبة الطاقة الدوليّة. فالتوتّرات الأخيرة، التي شملت هجمات على سفن تجاريّة واتّهامات متبادلة بزرع ألغام بحريّة، دفعت الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى تعزيز حضورها العسكريّ في المنطقة، وإرسال قوّات بحريّة "المارينز" إضافيّة تحسّبًا لأيّ مواجهة محتملة.
فالمضيق الذي يمرّ عبره نحو خُمس استهلاك النفط العالميّ، أصبح اليوم نقطة توتّر مفتوحة. إيران التي تمتلك سواحل طويلة على الممرّ المائيّ وقواعد بحريّة وصواريخ ساحليّة وزوارق هجوميّة سريعة، تلوّح مجدّدًا بإمكانيّة تعطيل حركة الملاحة فيه. ورغم أنّ طهران لا تسيطر قانونيًّا على المضيق، إلّا أنّ موقعها الجغرافيّ وقدراتها العسكريّة يمنحانها قدرة ممكنة على تهديد خطوط الشحن، ورفع تكاليف التأمين، وإرباك الأسواق العالميّة، كما نرى في أسعار برميل النفط عالميًّا.
لكنّ إغلاق المضيق بالكامل يبقى سيناريو شديد الخطورة حتّى لإيران نفسها. فمثل هذا القرار يستدعي ردًّا عسكريًّا مباشرًا من القوى الغربيّة، ويؤدّي إلى تداعيات اقتصاديّة كبيرة عليها. لذلك يبقى التهديد بعرقلة الملاحة أكثر فاعليّة كأداة ردع ومساومة من الإغلاق الكامل. أو قد يكون خيارًا "شمشونيًّا" بامتياز.
كما أدّت إعاقة المرور التي حدثت مؤخّرًا في مضيق هرمز إلى إجبار العديد من سفن الشحن على الخروج عن مساراتها الأصليّة والبحث عن موانئ بديلة داخل المنطقة. ووفقًا للتقارير، فإنّ ما لا يقلّ عن عشر سفن تحمل سلعًا أساسيّة مثل الأجهزة الإلكترونيّة، والموادّ الغذائيّة، والموادّالصناعيّة، تتّجه حاليًا نحو مراكز الإمارات العربيّة المتّحدة مثل خورفكان ورأس الخيمة. لتجاوز الاضطراب البحريّ، تخطّط الشركات لتفريغ البضائع في هذه الموانئ، وإكمال عمليّات التسليم إلى وجهاتها النهائيّة عبر النقل البرّيّ بالشاحنات. في حين أنّ هذا التحوّل الاستراتيجيّ ينطوي على تكاليف أعلى وأوقات انتظار أطول، إذ شهدت موانئ خورفكان زيادة كبيرة في النشاط حيث أصبحت بوابات أساسيّة للتجارة الإقليميّة. في نهاية المطاف، تعمل هذه المواقع كـنقاط عبور طارئة للتخفيف من الأثر الاقتصاديّ للازدحام البحريّ المستمرّ في مضيق هرمز.
في موازاة هذا التوتّر العسكريّ، تبرز قصّة أُخرى في سوق الطاقة العالميّة، أي تدفّق النفط الإيرانيّ نحو الصين. فعلى الرغم من العقوبات الأميركيّة الصارمة، تشير بيانات الشحن إلى أنّ أغلب صادرات النفط الإيرانيّ المنقولة بحرًا انتهت في الصين في العام المنصرم، وها هي تلوّح باستخدام اليوان الصينيّ للسماح بعبور مضيق هرمز.
غير أنّ تقارير حديثة تكشف أنّ اعتماد الصين على النفط الخاضع للعقوبات ليس مطلقًا. فبعد اضطرابات شحن النفط الفنزويليّ مطلَع العام، لم تتجه المصافي الصينيّة إلى زيادة مشترياتها من إيران، بل لجأت سريعًا إلى النفط الروسيّ لسدّ الفجوة. وخلال شهر واحد فقط ارتفعت واردات الصين من الخام الروسيّ إلى أكثر من مليونَي برميل يوميًّا.
كما أنّ سياسة ترامب الّتي تميل إلى رفع العقوبات على النفط الروسيّ، ولو على حساب الصديق الأوكرانيّ، تهدف إلى عزل إيران نفطيًّا. هذا التحوّل يوضّح أنّ العالم يتعامل مع معركة النفط بمنطق براغماتيّ بحت. فالصين تشتريه لأنّه يوفّر حسومات مغرية، لا لأنّه خيار استراتيجيّ لا بديل له. وأميركا، تمسك به ورقة استراتيجيّة لصالحها، لا ضدّها.
في الوقت نفسه، يشهد قطاع الطاقة عالميًّا تحوّلًا هيكليًّا متسارعًا. فالتوسّع الكبير في السيارات الكهربائيّة والطاقة المتجدّدة يقلّل تدريجيًّا من اعتماد البلاد على النفط المستورد، ما يضعف نفوذ أي مورِّد على المدى الطويل.ولكن، يبقى النفط لهذه اللحظة، ورقة ذات نفوذ استراتيجيّ لا بديل عنها، خصوصًا عندما تُربَط بالسيطرة على ممرّات التوصيل، وأنابيب النقل.
وفي عالم تحكمه المصالح الاقتصاديّة، قد يتحول الشريك المفضّل اليوم إلى خيار ثانويّ غدًا. فهل تغمز الولايات المتّحدة الأميركيّة بدورها باستهدافها جزيرة خرج، للسيطرة على مضيق هرمز، ونقل المعركة إلى بحريّة-اقتصاديّة-نفطيّة بامتياز؟ ويصبح هرمز ورقتها الرابحة؟