في مقابلتنا السابقة، تناولنا كيف يعزز الذكاء الاصطناعي القيادة، حيث يعمل بمثابة مصدر للقوّة يوسّع نطاق القدرات البشريّة بدلًا من استبدالها. سنتوسّع في هذه المقابلة مع البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ لنرى كيف أنّ ثمّة نموذج جديد من القائد يتعزّز وهو الشخص الذي لا يتنافس مع الذكاء الاصطناعيّ، بل يدمجه، ويجمع بين القوة الحاسوبيّة والحكم البشريّ والذكاء العاطفي والخيال الاستراتيجيّ. وذلك ضمن سلسلة من المقابلات عن موضوع الذكاء الاصطناعيّ والقيادة.
- هل أصبحت القيادة أعمق إنسانيّة أم أكثر تقنيّة؟
بالطبع تصبح أعمق إنسانيّة على وجه التحديد لأنّها تصبح أكثر تقنيّة. فمع تولّي الذكاء الاصطناعيّ مسؤوليّة المهام التحليليّة والمتكرّرة، تزداد الأهمّيّة النسبيّة للقدرات البشريّة المميّزة. فالتعاطف، والتواصل، والتفكير الأخلاقيّ، والرؤية، التي غالبًا ما توصف بـ ”المهارات الناعمة“، تَظهر ككفاءات أساسيّة بدلًا من كونها مكمّلة.
وهذا يبرز انعكاسًا أعمق. فعلى مدى عقود، ارتبطت القيادة بالسلطة والسيطرة وامتلاك المعرفة. وفي عصر الذكاء الاصطناعيّ، أصبحت المعرفة وفيرة ومتاحة. وأمست السلطة أقلّ ارتباطًا بالسيطرة وأكثر ارتباطًا بالمصداقيّة والثقة. كذلك، تتحوّل القيادة نحو التأثير بدلًا من الأمر، ونحو الترابط بدلًا من التسلسل الهرميّ. وتصبح القدرة على إيجاد المعنى، وتعزيز الانتماء، والتعامل مع عدم اليقين أعلى قيمة من القدرة على تقديم الإجابات.
في الوقت نفسه، لا يعني هذا التوجه نحو إنسانيّة ترفض التكنولوجيا. فالقادة الأشدّ فعّالية هم أولئك الذين يمكنهم دمج كِلا البُعدين بسلاسة، بالاستفادة من الذكاء الاصطناعيّ للحصول على الرؤى مع الحفاظ على حضور بشريّ قويّ. وبالتالي، تصبح القيادة علائقيّة، وتقع عند تقاطع الحكم البشريّ والقدرة التكنولوجيّة.
- ما هو أكبر خطر يواجه القادة في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
إنّ أكبر خطر ليس الاستبدال التكنولوجيّ، بل هو عدم التوافق. فمن ناحية، هناك قادة يفشلون في التعامل مع الذكاء الاصطناعيّ، ويبقون متمسّكين بنماذج لم تعد تعكس واقع مؤسّساتهم. إذ إنّهم يخاطرون بفقدان أهمّيّتهم، حيث تتضمّن عمليات صنع القرار بشكل متزايد أنظمة لا يفهمونها.
من ناحية أُخرى، هناك قادة يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعيّ، ويفوّضون الحكم إلى الأنظمة من دون الحفاظ على مسافة نقديّة. وبذلك، فإنّهم يخاطرون بتقويض البعد البشريّ الذي تقوم عليه الثقة والشرعيّة والمساءلة.
بين هذَين القطبَين المتطرّفَين يكمن التحدّي الحقيقيّ بالتكامل. وكما أكّدت أبحاث القيادة، فإن القيد ليس التكنولوجيا نفسها، بل قدرة المؤسّسات وقادتها على التكيّف والتعلّم والتحوّل. وهذا يتطلّب ليس فقط الفهم التقنيّ، بل أيضًا الوعي الذاتيّ والقدرة على تطوير هويّة القيادة الخاصّة بالفرد.
- ما الذي يحدّد المعيار الجديد للقيادة؟
يتم تحديد المعيار الجديد للقيادة عن طريق القدرة على إدارة التعقيد. فلم تعُد القيادة تتعلّق بامتلاك الإجابات. إنّها تتعلّق بإيجاد بيئات يمكن أن تظهر فيها الإجابات من الناس، ومن البيانات، ومن التفاعل بينهما. وهذا يتطلّب تحوّلًا من التحكّم إلى التنظيم، ومن التوجيه إلى التمكين. هكذا يُصبح القادة مصمّمي هياكل تنظيميّة وثقافيّة وتكنولوجيّة. فهم يشكّلون كيفيّة تفاعل البشر والذكاء الاصطناعيّ، وكيفية اتّخاذ القرارات، وكيفيّة إيجاد القيمة.
وفي الوقت نفسه، تزداد المساءلة. مع قيام أنظمة الذكاء الاصطناعيّ بأتمتة العمليّات، فلا تختفي المسؤوليّة، بل تصبح أشدّ تركيزًا. كما يجب على القادة ضمان أن تبقى القرارات، حتّى عندما تتوسّط فيها الخوارزميّات، متوافقة مع المبادئ الأخلاقيّة والغرض التنظيميّ. فهذا الدور المزدوج، ميسّر الأنظمة وحارس القيم، يحدّد النموذج الناشئ للقيادة.
- كيف يتغيّر دور القيادة بشكلٍ جذريّ؟
يمكن فهم تحوّل القيادة على أنّه انتقال من السيطرة إلى التمكين. في النماذج التنظيميّة التقليديّة، كانت القيادة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسلطة المستمدّة من المعرفة والخبرة. إذ كان يُتوقّع من القادة تقديم التوجيه لأنّه كان يُفترض أنّهم يعرفون أكثر من الآخرين. فكانت سلطة اتّخاذ القرار تنبع من الخبرة.
في عصر الذكاء الاصطناعيّ، تتغيّر هذه الأُسس. إذ لم تعد المعلومات نادرة، بل وفيرة، ويتمّ إنتاجها باستمرار، ومعالجتها بشكل متزايد بواسطة أنظمة ذكيّة. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج رؤى على نطاق وسرعة لا يمكن لأيّ فرد أن يضاهيهما.
ونتيجة لذلك، لم يَعُد من الممكن تعريف القيادة بامتلاك المعرفة. بل يتمّ إعادة تعريفها بالقدرة على تهيئة الظروف التي تصبح فيها المعرفة ذات مغزى، وقابلة للتنفيذ. يصبح القادة مهندسي بيئات بدلًا من متحكّمين في النتائج. فيتمثّل دورهم في تصميم أنظمة، تنظيميّة وثقافيّة وتكنولوجيّة، تسمح للأفراد والفرق بالتعلّم والتكيّف والأداء بفعاليّة في سياق يتطوّر باستمرار. وهذا يمثّل انتقالًا من السلطة كمصدر للإجابات إلى القيادة كإطار عمل للذكاء الجماعيّ.
- لكن، لماذا تصبح القيادة أكثر صعوبة، لا أقلّ؟
لأنّ التعقيد يتزايد بسرعة أكبر من قدرتنا على استقراره. فيعمل الذكاء الاصطناعيّ على تسريع التغيير عبر أبعاد متعدّدة في وقت واحد. فهو يُعيد تشكيل الصناعات، وتعريف الأدوار، ويقدّم أشكالًا جديدة من المنافسة. كما أنّه يقلب الافتراضات الراسخة عن الخبرة، والمسارات الوظيفيّة، والهويّة التنظيميّة.
فبحسب الأفراد داخل المنظّمات، يجدون أنّ هذا التحوّل ليس تقنيًّا بحتًا، بل هو نفسيّ بعمق. فالموظفون لا يتعلّمون أدوات جديدة فحسب، بل يتساءلون عن أهمّيّتها ومستقبلهم ومكانهم داخل الأنظمة المتطوّرة. وهذا ما يوجد طبقة من عدم اليقين لا يمكن حلّها بالبيانات وحدها. فهي تتطلّب التفسير، والطمأنينة، وإيجاد المعنى.
أخيرًا، تصبح القيادة، في هذا السياق، أكثر تطلّبًا لأنّها يجب أن تعمل على مستويات متعدّدة في آنٍ واحد. إذ يجب أن تتعامل مع التحدّيات التشغيليّة، وعدم اليقين الاستراتيجيّ، والمخاوف البشريّة في وقتٍ واحد. كما يُتوقّع من القادة توفير الوضوح حيث لا يتوافر بعد، وبناء الثقة في غياب الاستقرار، وتوجيه الناس في التحوّلات التي تتّسم بطبيعتها بالغموض. ومن المفارقات أنّه مع زيادة الذكاء الاصطناعيّ لقدرتنا على معالجة المعلومات، فإنّه يزيد أيضًا من الحاجة إلى التوجيه البشريّ.