في مقابلتنا السابقة، تناولنا كيف يعزّز الذكاء الاصطناعيّ القيادة، إذ لا يغيّر ما يفعله القادة وحسب، بل يعيد تشكيل طبيعة القيادة نفسها. سنتابع مقابلتنا مع البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ لتجيبنا عن ماذا يعني أن تكون قائدًا متكيّفًا في عالم أصبح فيه الذكاء أوسع، بل يتم إنتاجه وتوزيعه وتعزيزه باستمرار بواسطة الآلات.
- ما القدرات الجديدة المطلوبة من القادة؟
إنّ القدرة الأشدّ أهمّيّة هي القدرة على التعلّم، وتمكينه على نطاق واسع. ففي بيئة مدفوعة بالذكاء الاصطناعيّ، تفقد المعرفة الثابتة قيمتها بسرعة. وسبق أن أشرنا إلى أنّ ما يهمّ ليس ما يعرفه القادة، بل مدى سرعة تحديثهم لفهمهم، ومدى فعّاليتهم في مساعدة مؤسّساتهم على فعل الأمر نفسه.
إنّ هذا الموقف يتطلّب توجّهًا نحو الخارج. أي يجب على القادة التفاعل مع البيئات الخارجيّة، والحفاظ على الشبكات، ومقارنة مؤسّساتهم باستمرار بالاتجاهات الناشئة. ومن دون هذا المنظور الخارجيّ، هناك خطر أن يستجيبوا للإشارات الداخليّة بينما تفوتهم التغيّرات الأوسع نطاقًا.
وفي الوقت نفسه، تتطلّب القيادة تأمّلًا داخليًّا. إذ يجب على القادة إعادة تقييم افتراضاتهم الخاصّة، والتشكيك في الممارسات الراسخة، والبقاء منفتحين على إعادة تعريف أدوارهم. فلا يقتصر التحوّل على اعتماد تقنيّات جديدة فحسب، بل يتعلّق بإعادة التفكير في كيفيّة تنظيم العمل، وإيجاد القيمة، ودعم الأفراد. فيحدّد هذا التحرّك المزدوج، الوعي الخارجيّ والتحوّل الداخليّ، القدرة القياديّة الجديدة. إذ لم يعد الأمر يتعلّق بالتنفيذ وحده، بل يتعلّق بالتكيّف المستمرّ.
- كيف يؤثّر الذكاء الاصطناعيّ على الثقة والثقافة المؤسّسيّة؟
يقدّم الذكاء الاصطناعيّ إمكانيّة تحقيق شفافيّة أكبر ومخاطر زيادة الغموض. فمن ناحية، يمكن للأنظمة القائمة على البيانات تحسين عملية صنع القرار بإظهار الأنماط وتقليل التحيّز في بعض العمليّات. وهذا يمكن أن يعزّز العدالة والاتّساق داخل المؤسّسات. ومن ناحية أخرى، يمكن أن تؤدّي تعقيدات أنظمة الذكاء الاصطناعيّ إلى إيجاد حالة من عدم اليقين. فعندما تتأثّر القرارات بخوارزميّات غير مفهومة تمامًا، قد يتساءل الأفراد عن كيفيّة تحديد النتائج، وعمّا إذا كانت عادلة.
لذلك، لا يمكن تفويض الثقة إلى التكنولوجيا. بل يجب على القادة بناءها والحفاظ عليها بشكل فعّال. وهذا ينطوي على الالتزام بالشفافيّة، لا بشأن ما هو معروف وحسب، بل بشأن ما يبقى غير مؤكّد. إذ يجب على القادة التواصل بوضوح عن كيفيّة اتّخاذ القرارات، وكيفيّة استخدام الذكاء الاصطناعيّ، وأين يتدخّل الحكم البشريّ.
تؤدّي الثقافة دورًا حاسمًا في هذه العمليّة. ففي المؤسّسات التي يتمّ فيها تشجيع التجريب وقبول الفشل كجزء من التعلّم، يمكن دمج الذكاء الاصطناعيّ كأداة للنموّ. أمّا في المؤسّسات التي يهيمن عليها التحكّم وتجنّب المخاطر، قد يولّد الذكاء الاصطناعيّ مقاومة وخوفًا وانعزالًا. فالقيادة، في هذا السياق، مسؤولة عن تشكيل ثقافة توازن بين الابتكار والأمان النفسيّ.
- ما العلاقة بين القيادة والمسؤوليّة في عالم يحرّكه الذكاء الاصطناعيّ؟
تصبح المسؤوليّة أشدّ تعقيدًا، ولكنّها تصبح أكثر وضوحًا. فمع تولّي أنظمة الذكاء الاصطناعيّ دورًا أكبر في تشكيل القرارات، تزداد حدّة أهمّيّة المساءلة. إذ قد تكون القرارات آليّة، لكن عواقبها تبقى بشريّة، فتؤثّر على الموظفين والعملاء والمجتمع ككلّ.
لذلك، لا يمكن للقادة نقل المسؤوليّة إلى الخوارزميّات. فهم يبقون مسؤولين عن النتائج، حتّى عندما تتأثّر تلك النتائج بأنظمة لم يشغلّوها مباشرة. وهذا يوجِد بعدًا جديدًا لمسؤوليّة القيادة. فيجب على القادة فهم لا مُخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعيّ فحسب، بل آثارها. كما يجب عليهم ضمان توافق القرارات التكنولوجيّة مع المبادئ الأخلاقيّة، والقيم التنظيميّة، وتوقّعات المجتمع. وهذا يتطلّب تجاوز مقاييس الأداء قصيرة المدى نحو اعتبار أوسع نطاقًا للتأثير والشرعيّة على المدى الطويل. في هذا السياق، لا يقلّل الذكاء الاصطناعيّ من المسؤوليّة، بل يعمّقها.
- إذًا، هل نتّجه نحو نموذج قيادة جديد؟
نعم، ويُعرَّف هذا النموذج بالتكامل بدلًا من الاستبدال. فلم تَعُد القيادة تستند إلى السلطة المستمدّة من التسلسل الهرميّ، أو المعرفة وحدها. بل إنّها تستند إلى القدرة على دمج أشكال متعدّدة من الذكاء البشريّ، والتنظيميّ، والاصطناعيّ، في نظام عمل متماسك.
يؤكد هذا النموذج على القدرة على التكيّف بدلًا من الاستقرار، والتعلّم بدلًا من التحكّم، والغرض بدلًا من العمليّة. وهو يدرك أنّه في حين أنّ الذكاء الاصطناعيّ يمكنه تحسين الأداء، فإنّه لا يمكنه تحديد الاتّجاه أو المعنى.
وبالتالي، يصبح القادة مُدمجين. فهم يربطون بين الأنظمة، ويوائمون وجهات النظر، ويضمنون توجيه القدرات التكنولوجيّة نحو أهداف متماسكة. فهذا ليس تقليصًا للقيادة، بل توسّع. إذ تمتدّ القيادة إلى ما بعد صنع القرار لتشمل تصميم الأنظمة وإدارة المعنى.
- ختامًا، ما الذي يميّز القادة العظماء في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
يميّزهم قدرتهم على البقاء بشريّين أثناء التعامل مع بيئة تكنولوجيّة. إنّ أكثر القادة فعّالية هم أولئك الذين يمكنهم التعامل مع الذكاء الاصطناعيّ بشكل نقديّ وبنّاء. عندما يستخدمونه لتعزيز فهمهم من دون أن يصبحوا معتمدين عليه. ويستفيدون من البيانات من دون التخلّي عن الحكم، ويسعون إلى الأداء من دون المساس بالثقة.
كذلك، يدركون أنّه في حين أنّ الذكاء الاصطناعيّ يمكنه تحسين العمليّات، إلّا أنّه لا يمكنه استبدال الأبعاد العلائقيّة والأخلاقيّة التي تدعم المنظّمات. وفي عالم تهيمن عليه السرعة والكفاءة والأتمتة، لا يميّز القادة العظماء أنفسهم بفعل المزيد، بل بإيجاد التماسك والثقة والتوجيه. فيدركون أنّ التكنولوجيا يمكنها تسريع العمل، لكنّ القيادة وحدها هي التي تضمن أن يكون هذا العمل ذا مغزى.
في نهاية المطاف، نجد أنّ التحوّل الذي نشهده يعيد تعريف معنى القيادة، محوّلًا التركيز من السلطة إلى القدرة على التكيّف، ومن السيطرة إلى التمكين، ومن اليقين إلى التوجيه. في هذا المشهد، نجد أنّ للقيادة قدرة حاسمة للمستقبل، في القدرة البشريّة على توجيه التكنولوجيا بحكمة.