في 12 آب 2026، أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون تسوية أوضاع المصارف وإعادة هيكلتها، في خطوة جديدة على طريق معالجة الانهيار المالي الذي بدأ في لبنان العام 2019. ويأتي إقرار القانون في سياق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، الذي شدّد على ضرورة إصلاح القطاع المصرفي وتحديد مسؤوليات الأطراف المختلفة في تحمّل الخسائر. قد يبدو القانون للوهلة الأولى تشريعاً تقنياً يخصّ المصارف، لكن خلف مواده سؤالاً يعني مئات آلاف اللبنانيّين مباشرة: مَن سيتحمَّل خسائر الانهيار المالي؟
فمنذ العام 2019، يعيش المودعون أزمة كبيرة: أموال مجمّدة، قيود على السحوبات، تعدُّد في أسعار الصرف، وتراجع كبير في القيمة الفعلية للودائع. وبينما تحمّل المودعون بالفعل جزءاً كبيراً من الخسائر، لم تكن هناك حتى الآن آلية قانونية شاملة تحدّد بوضوح كيفية توزيع الخسائر المتبقية. من هنا تبرز أهمّية التعديلات الأخيرة، التي تعزّز مبدأ أساسياً في معالجة الأزمات المصرفية: المساهمون يجب أن يتحمّلوا الخسائر قبل المودعين.
قانون المصارف ليس قانون استرداد الودائع
إنّ المشكلة الأساسية في النقاش اللبناني، هي الخلط بين قوانين مترابطة لكنّها لا تؤدّي الوظيفة نفسها. فقانون تسوية أوضاع المصارف يحدّد ما الذي يحصل عندما يصبح مصرف ما متعثراً: هل تُعاد رسملته؟ هل يُدمج؟ هل تُعاد هيكلته؟ أم يُصفّى؟ كما يحدّد صلاحيّات الجهات الرقابية وترتيب الدائنين عند توزيع الخسائر.
لكنّ هذا القانون لا يجيب عن السؤال الأهم بالنسبة إلى المودعين: كيف ستُسدَّد الودائع، ومن أين ستأتي الأموال؟ هذه المسألة تقع أساساً ضمن قانون الاستقرار المالي واسترداد أموال المودعين، أو ما يُعرَف بقانون «الفجوة المالية». وهنا تكمن أهمّية التمييز بين القانونَين. فإعادة هيكلة مصرف متعثّر شيء، ومعالجة الخسائر الهائلة المتراكمة في النظام المالي شيء آخر تماماً.
فالحكومة كانت قد قدّرت الخسائر المرتبطة بالأزمة بنحو 70 مليار دولار أميركي منذ العام 2022، فيما تشير التقييمات اللاحقة إلى احتمال أن تكون الفجوة أكبر. ومهما بلغ حجمها، لا يستطيع أي قانون أن يلغي هذه الخسائر. والمطلوب هو تحديد مَن يتحمّلها، وكيف، وعلى مدى أي فترة زمنية.
مَن يتحمّل الخسائر أولاً؟
في النظام المصرفي الطبيعي، هناك فرق واضح بين المساهم والمودع. فالمساهم يملك جزءاً من المصرف، وبالتالي يستفيد من أرباحه ويرتفع استثماره عندما تتحسّن قيمته. وفي المقابل، يتحمّل مخاطر رأس المال عندما يتعرّض المصرف للخسائر. أمّا المودع، فهو ليس شريكاً في المصرف، بل يضع أمواله لدى مؤسسة يفترض أنّها خاضعة للرقابة، وتعمل وفق قواعد مالية ورقابية تحمي حقوقه.
لذلك، فإنّ تحميل المودعين الخسائر قبل استنفاد حقوق المساهمين يتعارض مع المنطق الأساسي لتوزيع المخاطر في القطاع المصرفي. وهذا هو أحد المبادئ التي شدّد عليها صندوق النقد الدولي في مفاوضاته مع لبنان: لا ينبغي أن يتحمّل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين من الدرجة الثانية.
إنّ المسألة ليست مجرّد مطلب من صندوق النقد. إنّها مسألة عدالة ومساءلة. فإذا احتفظ أصحاب المصارف بمكاسبهم في سنوات الأرباح، ثم انتقلت الخسائر عند وقوع الأزمة إلى المودعين أو الدولة، تصبح القاعدة واضحة: الأرباح خاصة والخسائر عامة. وهذا نموذج لا يمكن أن يُعيد الثقة بالقطاع المصرفي. إدارة
ماذا أقرّ مجلس النواب؟
جاء إقرار التعديلات بعد أشهر من النقاش بين الحكومة ولجنة المال والموازنة ومصرف لبنان وصندوق النقد الدوليّ. ومن أبرز النقاط التي أثارت النقاش مسألة المساهمين بعد دخول المصرف مرحلة إعادة الهيكلة. إذ طرحت الحكومة في البداية إمكانية استبعاد المساهمين الذين يملكون الأغلبية من المشاركة في زيادة رأس المال اللاحقة. أمّا لجنة المال، فوسّعت نطاق الحظر ليشمل جميع المساهمين، قبل أن يعود البرلمان إلى صيغة الحكومة التي تستهدف المساهمين أصحاب الأغلبية.
وهنا تظهر نقطة دقيقة: من الضروري منع مَن كانوا يسيطرون على مصرف فاشل من استعادة السيطرة عليه بعد تحميله خسائره، لكنّ استبعاد جميع المساهمين، بمَن فيهم صغار المستثمرين الذين لا علاقة لهم بالإدارة، قد يكون إجراءً غير متناسب.
ومن التعديلات الأُخرى تلك المتعلّقة بمسؤوليّة مصرف لبنان، بالإضافة إلى المادّة 23 التي أبقت على الربط بين معاملة الودائع في حال تصفية المصرف وقانون الاستقرار المالي واسترداد أموال المودعين. وهذا الربط مهمّ جداً، لأنّه يؤكّد أنّ قانون تسوية أوضاع المصارف لا يحدّد وحده قيمة ما سيستردّه المودعون ولا طريقة الاسترداد أو مدّته. هذه التفاصيل ستتحدّد في الإطار التشريعي المالي الأشمل.
المعركة الحقيقيّة تبدأ مع «الفجوة المالية»
أقرّت الحكومة في أواخر 2025 مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد أموال المودعين وإحالته إلى مجلس النواب. ويمثّل المشروع محاولة لإيجاد آلية قانونية للتعامل مع الفجوة المالية وتحديد كيفية استرداد الودائع. ومن بين المقترحات التي نوقِشت إعطاء الأولوية للودائع الصغيرة، مع إمكان سداد الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار أميركي على فترة زمنية تقارب 4 سنوات، بينما تحصل الودائع الأكبر على أدوات ذات آجال أطول، مدعومة بأصول مصرف لبنان وإيرادات مستقبلية.
لكنّ هذه المقترحات لا تزال موضع نقاش سياسي واقتصادي، خصوصاً أنّ السؤال الأساسي لم يُحسم نهائياً: ما حجم الفجوة المالية، ومَن سيتحمّلها؟
وهذا تحديداً ما يجعل القانون الذي أُقِرّ في 12 آب خطوة مهمّة، لكن غير مكتملة. فلبنان بات يملك إطاراً أوضح لإعادة هيكلة المصارف، لكنّه لا يملك بعد آلية نهائية وموثوقة لاسترداد أموال المودعين.
حماية المودعين لا تعني تجاهل الخسائر
في النقاش العام، تظهر أحياناً مقاربتان متناقضتان. الأولى تقول إنّ الودائع يجب أن تُعاد كاملة وفوراً، والثانية تعتبر أنّ حجم الخسائر يجعل تحميل المودعين الجزء الأكبر منها أمراً لا مفرّ منه. والحل الواقعي لا يكمن في أي من الطرفَين.
فلا يمكن إعادة أموال لم تعُد موجودة بمجرّد إعلان ذلك قانونياً. لكنّ وجود خسائر مالية لا يعني أيضاً أن يتحمّلها المودعون بصورة عشوائية، وهم لم يديروا المصارف ولم يضعوا السياسات النقدية والمالية التي قادت إلى الأزمة.
إنّ المطلوب هو ترتيب واضح للمسؤوليات. فيجب استنفاد رأس مال المساهمين في المصارف المتعثّرة، والاعتراف بالخسائر الموجودة في ميزانيات المصارف، وتقييم الوضع المالي لمصرف لبنان بشفافية، وتحديد ما تتحمّله الدولة من التزامات من دون دفعها مجدّداً إلى مسار غير مستدام للدين العام.
كما يجب التدقيق في التحويلات والمعاملات غير النظامية التي جرت في الفترة المحيطة بالانهيار، ومعالجة أي عمليات تفضيلية ثبّتت مخالفتها للقواعد. فاسترداد حقوق المودعين يحتاج أولاً إلى معرفة حقيقة ما تبقّى من أصول والتزامات. تاريخ
الدولة ليست صندوق إنقاذ للمصارف
هناك خطر آخر يتمثّل في الاعتماد المفرط على أصول الدولة لحل أزمة القطاع المصرفي. فقد يبدو استخدام الممتلكات العامة أو أصول الدولة أو موارد مصرف لبنان حلاً سريعاً، لكنّه ليس كذلك. فهذه الأصول ملك للمجتمع اللبناني بأكمله، وليس فقط للمودعين.
كما أنّ لبنان يحتاج إلى موارده لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية. فقدّر البنك الدولي احتياجات إعادة الإعمار والتعافي الناجمة عن الصراع في 2023-2024 بنحو 11 مليار دولار أميركي.
لذلك، لا يمكن معالجة خسائر القطاع المصرفي بطريقة تستنزف الموارد العامّة التي يحتاجها لبنان لإعادة بناء اقتصاده. والأهم، أنّ أي مساهمة للدولة يجب ألّا تعرّض استدامة الدين العام للخطر، وهي نقطة يؤكّد عليها صندوق النقد الدولي أيضاً.
الاختبار الحقيقي هو استعادة الثقة
يرتبط جزء كبير من النقاش اللبناني اليوم بموقف صندوق النقد الدولي. ولا شك أنّ التوصُّل إلى برنامج مع الصندوق سيكون مهمّاً للبنان، لأنّه قد يفتح الباب أمام التمويل الخارجي، ويُعيد بعض المصداقية إلى الاقتصاد، ويؤسِّس لإصلاحات مالية ونقدية.
لكنّ موافقة صندوق النقد ليست الهدف النهائي. فالاختبار الحقيقي سيحدث داخل لبنان، والأسئلة المطروحة تبقى هي هي: هل سيعيد المواطنون ثقتهم بالمصارف؟ هل ستُعيد الشركات أموالها إلى النظام المصرفي بدل الاحتفاظ بها نقداً؟ هل سيعيد المغتربون التفكير في إيداع أموالهم في لبنان؟
فالقطاع المصرفي يقوم قبل كل شيء على الثقة. ويمكن للقوانين أن تضع قواعد رأس المال والسيولة والرقابة والتسوية، لكنّها لا تستطيع وحدها إعادة الثقة التي فقدها المواطن.
القانون المقبل هو الأهم
إنّ إقرار تعديلات قانون تسوية أوضاع المصارف يمثّل تقدّماً لا يمكن إنكاره. فهو يضع إطاراً أكثر وضوحاً لمعالجة المصارف المتعثّرة، ويعزّز مبدأ تحميل المساهمين الخسائر قبل المودعين. لكنّ النجاح لن يتحدّد بهذا القانون وحده.
فالقانون الحاسم بما يخصّ المودعين سيكون قانون الاستقرار المالي واسترداد أموالهم. فهو الذي يجب أن يُجيب بوضوح عن الأسئلة الأصعب: ما الحجم النهائي للفجوة؟ ما الذي ستتحمّله المصارف ومساهموها؟ ما مساهمة مصرف لبنان؟ وما مسؤولية الدولة؟ أي ودائع ستتمتع بالأولوية؟ وكيف ستُعامل الودائع الكبيرة؟ وما القيمة الحقيقيّة للأدوات المالية التي ستُمنح للمودعين؟
إنّ هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. فالأزمة اللبنانية أثبتت أنّ الخسائر لا تختفي عندما تتأخّر الدولة في الاعتراف بها. إنّها تتحوَّل إلى تضخّم، وانخفاض في قيمة العملة، وتجميد للودائع، وتراجع في القدرة الشرائية والاستثمار، والدولرة النقدية والهجرة.
ختاماً، وبعد نحو 7 سنوات من الانهيار، أقرّ البرلمان مبدأً أساسياً: مَن يملك المصرف ويسيطر عليه لا يمكن أن يقف خلف المودع عندما يحين وقت تحمّل الخسائر. لكنّ الخطوة التالية هي الأهم: تحويل هذا المبدأ إلى آلية عملية وقابلة للتنفيذ لاسترداد الودائع وإعادة هيكلة القطاع.
هكذا فقط يمكن القول إنّ لبنان بدأ ينتقل من إدارة الأزمة إلى حلّها. وعندها فقط يستطيع المودعون أن يحكموا بأنفسهم على جدّية الإصلاح: لا بالنصوص، بل عن طريق السؤال الذي ينتظرون جوابه منذ العام 2019: متى وكيف ستعود أموالهم؟